الغزالي

108

إحياء علوم الدين

[ 1 ] وكانوا يفعلون ذلك ، ويقولون : هذا أميرنا أمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وليؤمروا أحسنهم أخلاقا ، وأرفقهم بالأصحاب ، وأسرعهم إلى الإيثار ، وطلب الموافقة وإنما يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل ، والطرق ، ومصالح السفر ولا نظام إلا في الوحدة ولا فساد إلا في الكثرة ، وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد و * ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا ) * « 1 » ومهما كان المدبر واحدا انتظم أمر التدبير وإذا كثر المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر ، إلا أن مواطن الإقامة لا تخلو عن أمير عام كأمير البلد ، وأمير خاص كرب الدار ، وأما السفر : فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء ، ثم على الأمير أن لا ينظر إلا لمصلحة القوم ، وأن يجعل نفسه وقاية لهم ، كما نقل عن عبد الله المروزي أنه صحبه أبو علي الرباطي ، فقال على أن تكون أنت الأمير أو أنا ، فقال بل أنت ، فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره فأمطرت السماء ذات ليلة ، فقام عبد الله طول الليل على رأس رفيقه ، وفي يده كساء يمنع عنه المطر ، فكلما قال له عبد الله لا تفعل ، يقول ألم تقل إن الإمارة مسلمة لي فلا تتحكم علي ولا ترجع عن قولك حتى قال أبو علي : وددت أنى مت ولم أقل له أنت الأمير ، فهكذا ينبغي أن يكون الأمير ، وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « خير الأصحاب أربعة » وتخصيص الأربعة من بين سائر الأعداد لا بد أن يكون له فائدة ، والذي ينقدح فيه أن المسافر لا يخلو عن رجل يحتاج إلى حفظه ، وعن حاجة يحتاج إلى التردد فيها ، ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد في الحاجة واحدا ، فيتردد في السفر بلا رفيق ، فلا يخلو عن خطر وعن ضيق قلب ، لفقد أنس الرفيق ، ولو تردد في الحاجة اثنان لكان الحافظ للرجل واحدا

--> « 1 » الأنبياء : 22